قال المتنبي: «وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ». فسمعته خليةٌ صغيرة، فقرأت حتى انقسمت، وانقسمت حتى صارت رفًّا من الكتب، صفًّا فوق صفّ، كما ينمو النسيج على سقالته. أما الكتاب الذهبي فوقف بعيدًا قليلًا ثم مال على جاره؛ فهو، كما ترى، جليسٌ لا يحبّ الجلوس وحده.
زعموا أن خليةً كانت تسكن طبقًا، وكانت مولعةً بالقراءة، فكلما فرغت من كتابٍ انقسمت لتقرأ كتابين. فما زالت كذلك حتى امتلأ الرفّ، وصارت هي المكتبة نفسها. وأما الكتاب الذهبي فقد سهر الليل كلّه، فاتّكأ على جاره يستريح. ومن يومها قيل: مَن قرأ كثيرًا تكاثر.
حدّثنا الكتابُ الذهبيُّ قال: كنتُ خليةً واحدةً في طبق، فقرأتُ حتى انقسمتُ، وانقسمتُ حتى اكتملتُ، فصرنا كتبًا على رفّ، صفًّا فوق صفّ، كلُّ كتابٍ بطوله، وكلُّ لونٍ على أصوله. ثم وقفتُ في الطرف وحدي، أميلُ على جاري وأُبدي: ما أطيبَ الصحبةَ إذا طال السهر، وما أثقلَ الجفنَ إذا قرأ حتى السحر!